وميض القلم 🖊️
العامّية حامية الفصحى
قال الله سبحانه وتعالى ﴿ إنا نحن نـزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ [الحجر: 9]، ومعروف إن من حفظ الذكر حفظ القالب الذي اختاره الله له، وهو اللغة العربية الفصحى. وقد قيّض الله للفصحى من يحفظها بتدوين قواعدها، وبيان معاني ألفاظها، وتحرير صور نطقها، حتى تكوّن عندنا تراث لغوي ثمين شمل كل نواحي العربية الفصحى، ولم يكد يُهمل جانبًا من اللغة إلا وحرره وناقشه. لكننا لا نغفل عن المحفّز الأول لوضع قواعد الفصحى، وهي قصص على اختلافها لا تحيد عن أن تكون عن حماية اللغة من “الفساد”، وهو التغيّر اللغوي الطبيعي، وهو تغير لاحظه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون من بعدهم، وحرصوا على
![]()
![]()
جُذورٌ تُزعج مَن لا جذورَ له: دعوى جمود العربية
شجرةٌ في قريةٍ لا أحدَ يتذكَّر متى غُرست، ولا مَن غرسها، وكأنها كانت هناك قبل أن تكون القرية، وقبل أن يجتمع فيها الناس. جذورُها تشقُّ الأرض شقًّا، وتمضي في أعماقها، وفروعُها تبسطُ الظلال، وتحول بين المستظل وما يؤذيه من حرٍّ وشعاع، وأهلُ القرية ينعمون بخيراتها من ثمرٍ ومن ظلٍّ ومن أعوادٍ تسقط من أغصانها، وفي يومٍ جاء رجلٌ من مدينةٍ بعيدة، يحمل دفترًا ومعطفًا ثقيلًا لا يتناسب وطقس القرية ولا طقوسها. وقف أمام الشجرة وأدار بصره، ثم سأل أوَّل من لقيه: هل تنحني مع الريح؟ فأجابه الرجل: لا هل يمكن اقتلاعها؟ لا اكتفى بتلك النظرة، ورأى أنّها ليست ضعيفة كما عهد في بيئته،
![]()
![]()
رسالةٌ لا تُطوى مع الدفاتر
المعلِّمُ والأسرةُ… وأثرٌ لا ينقطع مع نهاية العام الدراسي تُطوى صفحاتٌ من الجهد والعطاء، وتنقضي أيامٌ حافلةٌ بالعمل والإنجاز، غير أنها تُخلِّف وراءها أثرًا لا تمحوه الأيام؛ فبين دفاتر الطلّاب، وممرّات المدارس، وقاعات الدرس، كُتبت قصصُ نجاحٍ، ونُسجت ذكرياتٌ، وغُرست قيمٌ، ورُسمت ملامحُ جيلٍ بأكمله. وما أحرى المربِّيَ في هذه الوقفة أن يتجاوز التوديعَ العابر إلى تأمّلٍ في حقيقة رسالته؛ يسأل نفسه: ما جوهرُها؟ وكيف يبقى أثرُها؟ ومَن شركاؤه في حملها؟ تلك أسئلةٌ ثلاثةٌ ينتظمها هذا المقال. رسالةٌ قبل أن تكون مهنة أمّا جوهرُ الرسالة، فإنّ العلم لم يكن في تصوّر هذه الأمة وظيفةً تُؤدّى وكفى، بل كان أشرفَ ما يُشتغل به؛ إذ
![]()
![]()
طقوسُ التكوين: قراءةٌ تربويّةٌ في الصباحات المدرسيّة بين جيلين
يعترينا – كلّما ودّعنا أبناءنا عند عتبة المدرسة في الصباح الباكر – شعورٌ غامضٌ بأنّ المشهد قد مرّ بنا من قبلُ؛ فالصوتُ الذي يشقّ سكونَ الفجر، والحقيبةُ المحمولةُ على ظهرٍ غضٍّ، وطابورُ الاصطفاف الذي ينتظم فيه الصغار، كلّ ذلك يُعيدنا إلى صورةِ أنفسنا قبل عقود. غير أنّ هذا الحنين، إذا أخضعناه للتأمّل، كشف عن حقيقةٍ أعمقَ من مجرّد استعادةٍ وجدانيّة؛ إنّه إدراكٌ لآليّةٍ صامتةٍ تنسج الإنسانَ خيطًا خيطًا، من حيث لا يشعر. وقد قرّر ابنُ خلدون في مقدّمته أنّ الملَكاتِ إنّما تحصل بتكرار الفعل حتّى يصير سجيّةً وهيئةً راسخة، وفي الصباحات المدرسيّة تتجلّى هذه القاعدة في أوضح صورها؛ فالطفلُ الذي يستيقظ في ساعةٍ
![]()
![]()
وراء كلّ حُكمٍ حكاية
كلّ إنسان له روايةٌ مستقلّة، يحمل معه رؤيةً ينظر بها، وميزانًا يزن به من حوله، فيرمي هذا بالجبن ويصف ذاك بالشجاعة، ويمدح هذا بالوفاء ويتّهم ذاك بالغدر، وكلٌّ يدّعي وصلًا بالموضوعية والإنصاف، والتجرد للحقّ، وإنّما تتشكّل هذه الأحكام – في الغالب- من تجارب المرء وعلمه ونفسيّته ومجتمعه، وهي عوامل يطغى بعضها على بعض طغيانًا لا يتفطّن لها إلا أولو الألباب، ذلك أنّ الإنسان يملك قدرةً عجيبة في التزييف والتدليس، ومواراة الأسباب الحقيقية وتقديم سواها. فمن ذا الذي يعترف بأنّ حُكمه كان مبنيًّا على تجربة عابرة، أو علّةٍ نفسيّة لا صلة لها بالإنصاف؟ هل تأملت يومًا ما طبيعة الاختلاف؟ الاختلاف بين الأمم الذي يشمل
![]()
![]()
دَينُ القلوب
من المفارقات الحياتية أن كثيرًا من الناس يختزلون الدَّين في المال، مع أن التجربة الإنسانية أوسع من هذا التصور الضيق، فمن تأمّل علاقة المعلم الحقيقي بطلابه، أو الطالب بمعلمه، أدرك أن الدُّيون ليست كلُّها مالية، فبعضها أعمق أثرًا، وأبقى حضورًا، وأشدُّ رسوخًا في الذاكرة. دَينُ من علَّم ووجَّه وأمسَك باليد حين زلّت القدم، هو دينٌ يُستوفى بالدعاء الصادق، والوفاء الممتد، وحسن الذكر في الغيب والحضور. نحن – شئنا أم أبينا– مدينون لأساتذة مرّوا بحياتنا فتركوا فيها أثرًا لا يُمحى ويزداد هذا الأثر نبلًا حين يكون الأستاذ رفيق دراسةٍ بالأمس، ثم يصبح معلّمًا وموجِّهًا دون ادّعاء أو تصريح؛ لأن أفعاله أبلغ من كل خطاب.
![]()
![]()