قال الله سبحانه وتعالى ﴿ إنا نحن نـزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ [الحجر: 9]، ومعروف إن من حفظ الذكر حفظ القالب الذي اختاره الله له، وهو اللغة العربية الفصحى. وقد قيّض الله للفصحى من يحفظها بتدوين قواعدها، وبيان معاني ألفاظها، وتحرير صور نطقها، حتى تكوّن عندنا تراث لغوي ثمين شمل كل نواحي العربية الفصحى، ولم يكد يُهمل جانبًا من اللغة إلا وحرره وناقشه. لكننا لا نغفل عن المحفّز الأول لوضع قواعد الفصحى، وهي قصص على اختلافها لا تحيد عن أن تكون عن حماية اللغة من “الفساد”، وهو التغيّر اللغوي الطبيعي، وهو تغير لاحظه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون من بعدهم، وحرصوا على توحيد اللغة الحاملة للنصوص الدينية لكيلا تضيع هذه النصوص، وذلك بتقييد الصورة اللغوية التي تحدّث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واللغة العالية التي نزل بها القرآن.
لكن تدوين قواعد اللغة وضبطها وحده لن يحميها من التحوّل الذي هو سنة اللغات، ولولاه لما وصلنا إلى وجود أكثر من 1000 لغة متحدثة في العالم، ولما وصلنا إلى وجود عشرات اللهجات العربية التي يتحدث بها عرب ورثوا اللغة عن آبائهم وأجدادهم. إنما دور تدوين قواعد اللغة هو حفظ صورة محددة مقيدة من اللغة العربية، وصون هذه الصورة من التحوّر، لئلا تمر النصوص الدينية بترجمات متكررة تغيّر دلالاتها أو تقيّد معانيها. وإن حصر استعمال هذه الصورة اللغوية، وأعني الفصحى، للسياقات الدينية والرسمية، واستعمالها لغة للكتابة والتدوين والأدب، وإبقاؤها حيّة كصورة لغوية إضافية لدى فئة من المتحدثين العرب، هو السبيل الأمثل لحمايتها، لا استعمالها لغة دارجة متوارثة.
ولو كانت اللغة العربية الفصحى هي الصورة اللغوية الأم لكل المتحدثين بالعربية، قرابة 400 مليون متحدثًا، تفصلهم حدود جغرافية وسياسية واجتماعية، لما كان للفصحى مناص من التغيّر والتبدّل. والتغيّر اللغوي ليس محصورًا على الاتصال اللغوي باللغات الأخرى، بل هو طبيعة لغوية تحصل حتى في أشد المجتمعات انعزالًا. ومن أبرز أمثلة هذا هي التغيّرات اللغوية الداخلية الحادثة على اللهجات العربية المحكية في قلب صحراء نجد، والتغيّر الواضح في اللغة الإنجليزية الأمريكية عن مصدرها اللغوي في الجزرية البريطانية، والتغير في اللهجات المالاقاسية في جزيرة منعزلة في الساحلي الشرقي الأفريقي، جزيرة مدغشقر، وهي لهجة منفصلة من لغات اندونيسيا والفلبين، وغيرها من أمثلة لا تنتهي للتغيّر اللغوي الداخلي، بل ومنها تغيّرات نالت اللغة العربية قبل وضع قواعد الفصحى، كتغيير الياء والواو ألفًا إذا انفتحت وسُبقت بفتحة، مثل قال، وأصلها قَوَل، وهذا نتاج تغيّر لغوي سابق.
واللغة كلما كثر المتحدثون بها كثر المساهمون في تحديد أعرافها، وصوغ أساليبها، وتشكيل أوجه بيانها، وفي هذا مدعاة لتغيرها؛ فاللغة لا تقوم إلا بمستعمليها. ونلحظ هذا في اللغة الفصحى المستعملة اليوم في الإعلام والسياسة والقانون والمجال الأكاديمي، وقد انتقدها كثير من اللغويين المحبين للفصحى والمنافحين عنها، ذاكرين إن اللغة الفصحى المعاصرة صورة متغيرة، أو “فاسدة”، ومتأثرة باللغات الأخرى، أو “ركيكة”، ويعزون في جملتهم هذا إلى المساهمات اللغوية العربية في الإعلام والكتابة من كتّاب تلقوا تعليمهم بالفرنسية أو الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأجنبية، وأودعوا عددًا من الأساليب الأجنبية في كتاباتهم العربية. وليس تعلم لغة مدعاة ضرورية إلى فساد لغة أخرى، فمن كتّاب العرب القدماء المشهود لهم بالبيان من تكلم بغير العربية. لكن ما تغيّر في القرنين الماضيين انتشار التعليم، وكثرة المساهمين في المحتوى اللغوي بالفصحى من كتّاب ومترجمين وباحثين. ولما كثر مستعملو اللغة، زاد احتمال التغيّر اللغوي بأن يسهم كل كاتب بإدراج سمة ليست من لب اللغة، ثم يتبناها غيره وينشرها، حتى تصير عُرفًا شائعًا في اللغة الفصحى المعاصرة، والأمثلة على هذه الظواهر كثيرة.
فمصير اللغات المستعملة إلى التغيّر، وكلما زاد مستعملوها زاد المساهمون في تغيّرها، وتسارع تغيّرها، ولا مناص من هذا. فإذا أردت حماية صورة لغوية من الاندثار بأن تتغيّر تغيّرًا يصيّرها لهجة أخرى، فاحفظها بحفظ قواعدها، وبتعليمها وتمكين الأطفال والكبار من استعمالها صورةً لغوية إضافية، تسند وتعزز لهجتهم الأم، التي ورثوها من آبائهم، لتكون لهجتهم الأم المحكية هي الصورة اللغوية المتعرضة للتغير اللغوي الطبيعي الضروري، وتصير الصورة اللغوية الثانية “الإضافية”، وهي الفصحى، صورة ثابتة لا تتغيّر، لها مرجعية ثابتة، وقواعد معروفة يحتكم إليها الناس بمختلف لهجاتهم الأم.
فاللهجات المحكية، إضافةً إلى جدارتها بالتقدير والعناية والحب لأنها جزء من هوية المتكلم، وصلته بآبائه قريبي العهد ومجتمعه وأقربائه، ولأنها صورة لغوية طبيعية ناتجة عن ملكة لغوية أودعها الله في البشر كافة، ولأنها وسيلة لدراسة هذه الملكة العجيبة التي منّ الله علينا بها دون غيرنا من خلقه إذ قال سبحانه ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 3-4]، فإن اللهجات المحكية قد وفّرت طوال القرون الخمس عشرة الماضية، وما تزال إلى اليوم توفّر طبقة حامية وعازلة تحمي اللغة الفصحى من التغيّر والتبدّل. فحريّ بنا أن نفخر بلهجاتنا المحكية ونحبّها ونعتز بها، فصُحت أو عيّت، شابهت الفصحى أو خالفتها، فمثلها مع الفصحى كمثل الوالد المحب الرحيم، والأم المربية الرؤوم، مع الشيخ الملقّن، والأستاذ المعلّم.
![]()
![]()