حركة البناء في الاسم والضمير المتصل ربما جاز في مواضع أن تتغير لوجود وجهين كما في القراءات القرآنية (صراط الذين أنعمت عليهِم أو عليهُم) و(بما عاهدوا عليهُ الله، بضم الضمير المتصل بحرف الجر على) بشأن الضمير فحسب.
كما أنه ورد في قراءة الكسائي ونافع وأبي جعفر المدني وشعبة صرف الاسم المشهور فيه المنع من الصرف كصيغة منتهى الجموع كقوله تعالى:{إنا أعتدنا للكافرين سلاسلًا وأغلالًا وسعيرا} فصُرِفت كلمة سلاسل وهي ممنوعة من الصرف لأنها صيغة منتهي الجموع.
وورد في الشعر ضرورةً بشأن الاسم المجموع جمعًا مذكرًا سالمًا تغيير حركة بناء النون آخره نحو قول جرير: عرفنا جعفرًا وبني أبيهِ / وأنكرنا زعانفَ آخرينِ.
إذ حقُّها أن تكون(آخرينَ).
قال ابن مالك:
ونونَ مجموعٍ وما به التحق/ فافتح وقَلَّ من بكسره نطق.
أما ما يفعله بعض مدعي قول الشعر فينصبون ويجرون وينصبون حسب الرَّويِّ الذي اختاروه لقصيدتهم دون مراعاة لمواضع الإعراب، ويزعمون أنه ضرورة شعرية وأنه يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره= فهذا من العبث بهذا اللغة الشريفة لغة القرآن، وهو من الإساءة إلى أدب العرب ولاسيما شعرهم القديم الذي يعد ديوان العرب.
صحيح أنه يجوز على سبيل المثال الجرُّ على المجاورة فحسب كما ورد في قصيدة امرئ القيس قوله:
كأنَّ ثَبِيرًا في عَرانِينَ وَبْلِهِ*كبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
قال الزوزني: (وجرَّ مزملًا على جوار بجاد؛ وإلّا فالقياس يقتضي رفعه؛ لأنه وصف كبيرُ أناس. ومثله ما حكي عن العرب من قولهم: جحرُ ضبٍّ خرِبٍ؛ جرَّ خرب لجواره ضبًّا، وإلا فالقياس يقتضي رفعه؛ لأنه وصف لجحر ضب.
ومنه قول الأخطل:
جزى الله عني الأعوَرَينِ ملامةً*وفروةَ ثَفْرَ الثورةِ المتضاجمِ
جرَّ المتضاجمِ على جواره الثورة، والقياس نصبه؛ لأنه مِن وصف ثفرِ الثورة؛ ونظائرها كثيرة.) شرح القصائد السبع للزوزني ص١٧١ تحقيق: بلال الخليلي وأحمد عبد الحميد، دار درة الغواص.
لكن لا يُجعل هذا ديدنًا يُقتفى أثره، ولا يتوسع فيه في غير المجاورة فتفسد اللغة، وإن البعد عنه في شعرنا المعاصر هو الأولى؛ فيحفظ القديم منه ولا يقاس عليه.
هذا وإن أصحاب شعر التفعيلة أجلُّ عندي من مدعي قول الشعر، الذين يكتبون كلامًا مقفًّى يقسمونه إلى شطرين لا وزن يحكمه ولا تفعيلة!
فيامن تريد أن تكون شاعرًا تعلَّم قواعد اللغة وأوزان الشعر فإن فتق الله لسانك بالشعر كان حسنًا، وإن لم يكن فقد تعلمت علمًا نافعًا، ولله دَرُّ القائل:
إذا لم تستطع شيئًا فَدَعْهُ*وجاوزهُ إلى ما تستطيعُ
وأخيرًا فإن هذا ما تيسر لي كَتْبُهُ بهذا الشأن؛ راجيًا من الله عز وجل أن أكون قد وفقت فيه، فأدركت موقعَ الحزِّ وإصابةَ المفصل.
والله تعالى وحده الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
![]()
![]()