طقوسُ التكوين: قراءةٌ تربويّةٌ في الصباحات المدرسيّة بين جيلين

الكاتب: سلوى بنت راشد الجهني

يعترينا – كلّما ودّعنا أبناءنا عند عتبة المدرسة في الصباح الباكر – شعورٌ غامضٌ بأنّ المشهد قد مرّ بنا من قبلُ؛ فالصوتُ الذي يشقّ سكونَ الفجر، والحقيبةُ المحمولةُ على ظهرٍ غضٍّ، وطابورُ الاصطفاف الذي ينتظم فيه الصغار، كلّ ذلك يُعيدنا إلى صورةِ أنفسنا قبل عقود. غير أنّ هذا الحنين، إذا أخضعناه للتأمّل، كشف عن حقيقةٍ أعمقَ من مجرّد استعادةٍ وجدانيّة؛ إنّه إدراكٌ لآليّةٍ صامتةٍ تنسج الإنسانَ خيطًا خيطًا، من حيث لا يشعر.

وقد قرّر ابنُ خلدون في مقدّمته أنّ الملَكاتِ إنّما تحصل بتكرار الفعل حتّى يصير سجيّةً وهيئةً راسخة، وفي الصباحات المدرسيّة تتجلّى هذه القاعدة في أوضح صورها؛ فالطفلُ الذي يستيقظ في ساعةٍ بعينها، ويُرتّب حقيبته على هيئةٍ بعينها، ويَمثُل في الطابور على صفةٍ بعينها، يخضع دون أن يعي لعمليّة تشكيلٍ طويلةِ المدى، تصنع فيه الانضباطَ الذاتيّ قبل أن تصنع فيه المعرفة. فالتربيةُ في جوهرها غرسُ هيئةٍ للنفس قبل أن تكون نقلًا لمعلومة، وتعويدٌ للجوارح على استقبال اليوم بنظامٍ مخصوص. ومن هنا نبّه علماؤنا إلى أنّ الصِّبا زمنُ النقش على الحجر، وأنّ ما يترسّخ في تلك المرحلة من عاداتٍ ومواقيتَ يظلّ مصاحبًا لصاحبه إلى أرذل العمر، فحين نستعيد – نحن الآباءَ والأمّهاتِ اليومَ – إيقاعَ صباحاتنا الأولى، فإنّما نستعيد البنيةَ التحتيّة لشخصيّاتنا.

ويُخطئ من يَحسَب المدرسةَ محضَ فضاءٍ لنقل المحتوى الدراسيّ؛ فهي في منظور علم الاجتماع التربويّ أوّلُ وسيطٍ يُنقَل الطفلُ فيه من منظومة القرابة إلى منظومة المجتمع، ففيها يتعلّم أنّ ثمّة قواعدَ تُطبَّق عليه بمعزلٍ عن حنوّ أمّه، وأنّ الاستحقاق يُنال بالجهد لا بالانتساب، وأنّ له نظراءَ يُشاركونه المكانَ والوقتَ والفرصة، وهذا التحوّل هو التأسيس الحقيقيّ لمفهوم المواطنة قبل أن تُدرَّس في الكتب.

وتَحمِل الطقوسُ الصغيرة – كالاصطفاف، والتمارين الرياضية، ودخول الصفّ بنظام – دلالةً تربويّةً تتجاوز ظاهرها؛ إذ تُشكّل ما يسمّيه الباحثون في المناهج «المنهجَ الخفيّ»، وهو أبلغُ أثرًا في تكوين القيم من المنهج المعلَن، لأنّه يُعلّم بالممارسة دون خطابةٍ، وبالمعاشرة دون مواعظَ مباشرة.

ومن الخطأ أن يُتصوَّر أنّ الراحة معطِّلةٌ للتكوين؛ فالإيقاع التربويّ كالإيقاع البيولوجيّ، قائمٌ على تعاقب الشدّ والإرخاء، وفي فترات الإجازة يستعيد الذهنُ ما اكتسب، ويُعيد ترتيبه، ويَدمجه في بنيته المعرفيّة دمجًا لا يتأتّى وقتَ الانشغال.

وقد دلّت دراسات علم النفس المعرفيّ الحديثة على أنّ تثبيت المعلومات يجري في أوقات السكون أكثر منه في أوقات الحركة، وهو ما كان يُدركه معلّمونا الأوائل حين كانوا يوصون بإراحة الخاطر بين مجالس العلم، ويَرَون أنّ القلبَ إذا أُكرِهَ مَلَّ، وإذا مَلَّ عَمِيَ.

ولعلّ أعمقَ ما في هذا المشهد اليوميّ أنّ الأهل حين يُرافقون أبناءهم إلى المدرسة يؤدّون أكثر من واجبٍ وظيفيّ؛ فهم يُمارسون نقلًا حضاريًّا للخبرة، إذ يُسلِّم كلّ جيلٍ للجيل الذي يليه مفتاحَ طريقٍ سَلَكه من قبله، وإن تبدّلت الحافلاتُ والحقائبُ والأدوات.

والإنسانُ في جوهره كائنٌ موصولٌ بذاكرة من سبقه، ولذلك كانت الاستمراريّة التربويّة بين الأجيال من أهمّ عوامل تماسك المجتمعات، وكان انقطاعُها مؤذنًا باضطراب الهويّة وتيه الانتماء.

ومن دقيق النظر أنّ قلقَ الأمّ على ابنها في صباحه الأوّل، وفرحَها به حين يعود إليها في الأصيل، ليسا انفعالَين عاطفيَّين فحسب، وإنّما هما استجابةٌ فطريّةٌ لإحساسٍ عميق بأنّ شيئًا من الذات يُسلَّم إلى الحياة كلَّ يوم، وأنّ ما يبدو رحلةً قصيرةً من البيت إلى المدرسة هو في الحقيقة رحلةٌ مديدة من الطفولة إلى النضج.

قد يبدو الصباحُ المدرسيّ حدثًا عابرًا لا يستحقّ التأمّل، غير أنّ التربية – على ما قرّر أهلُها – صناعةُ الجليل من الصغير، وبناءُ العظيم من المتكرّر، فخطوةُ الطفل إلى مدرسته اليومَ لَبِنةٌ من لبنات شخصيّته غدًا، وجلسَتُه في صفّه تمرينُه الأوّل على الصبر وتأجيل اللذّة، ورجوعُه إلى بيته عند الأصيل تعلُّمٌ عمليٌّ لقيمة الإنجاز.

وفي هذا التوالي الهادئ بين الأمس واليوم تتجلّى حكمةُ الحياة في أنّها تبني الإنسانَ كما تُبنى الجدرانُ: لَبِنةً لَبِنَة.

Loading