رسالةٌ لا تُطوى مع الدفاتر

الكاتب: سلوى بنت راشد الجهني

المعلِّمُ والأسرةُ… وأثرٌ لا ينقطع

مع نهاية العام الدراسي تُطوى صفحاتٌ من الجهد والعطاء، وتنقضي أيامٌ حافلةٌ بالعمل والإنجاز، غير أنها تُخلِّف وراءها أثرًا لا تمحوه الأيام؛ فبين دفاتر الطلّاب، وممرّات المدارس، وقاعات الدرس، كُتبت قصصُ نجاحٍ، ونُسجت ذكرياتٌ، وغُرست قيمٌ، ورُسمت ملامحُ جيلٍ بأكمله. وما أحرى المربِّيَ في هذه الوقفة أن يتجاوز التوديعَ العابر إلى تأمّلٍ في حقيقة رسالته؛ يسأل نفسه: ما جوهرُها؟ وكيف يبقى أثرُها؟ ومَن شركاؤه في حملها؟ تلك أسئلةٌ ثلاثةٌ ينتظمها هذا المقال.

رسالةٌ قبل أن تكون مهنة

أمّا جوهرُ الرسالة، فإنّ العلم لم يكن في تصوّر هذه الأمة وظيفةً تُؤدّى وكفى، بل كان أشرفَ ما يُشتغل به؛ إذ جعله الله سببًا لرفعة الإنسان، فقال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. بل إنّ أوّل ما تنزّل من الوحي جاء آمرًا بالقراءة، ممتنًّا بنعمة التعليم: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]؛ فالتعليمُ في أصله صفةٌ امتنّ الله بها على الإنسان، ثمّ شرّف بها مَن حملها عنه.

ومن هنا كان وصفُ النبيّ ﷺ لرسالته نفسِها بالتعليم؛ إذ قال: «ولكنْ بَعَثَني مُعلِّمًا مُيَسِّرًا» (رواه مسلم). فاجتمع في هذا الحرف الشريف وصفان لا ينفكّان عن المعلّم الصادق: التعليمُ والتيسير؛ فمن علّم وعسّر فقد أخلَّ بشطرِ الرسالة. وبلغ من جلال هذا العمل أنّ أهل السماوات والأرض يدعون لصاحبه؛ فقد أخبر النبيُّ ﷺ أنّ الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى الحوتَ في البحر ليُصلّون على مُعلِّم الناس الخير (رواه الترمذي وحسّنه). فأيُّ شرفٍ يُداني شرفًا تُصلّي على صاحبه الكائناتُ؟

التعليمُ والتربية: وسيلةٌ وغاية

وإذا تقرّرت شرافةُ الرسالة، فإنّ إدراك حقيقتها موقوفٌ على تمييزٍ دقيقٍ بين أمرين طالما اختلطا: التعليمِ الذي هو نقلٌ للمعرفة، والتربيةِ التي هي بناءٌ للسلوك وتهذيبٌ للنفس؛ فالأوّل وسيلةٌ، والثاني غاية. ومن ثَمّ قد يحفظ الطالبُ المعلوماتِ ثمّ ينساها، لكنه لا ينسى يدًا أخذت بيده، ولا قلبًا وَسِعَه حين ضاقت به السبل.

ولأنّ التربية صناعةُ الإنسان، قرّر علماؤنا أنّ التعليم نفسَه صناعةٌ لها أصولها وآدابها؛ فقد عدّه ابن خلدون في «مقدّمته» من جملة الصنائع، ونبّه على أنّ تلقين العلوم لا يُثمر إلا بالتدرّج والتلطّف، يُنقَل فيه المتعلّم من المُجمَل إلى المفصّل، ومن القريب إلى البعيد، رفقًا بقواه وإدراكه. وعلى المعنى ذاته نبّه حُجّةُ الإسلام الغزاليُّ في «إحياء علوم الدين» حين جعل المشتغل بالتعليم متقلِّدًا أمرًا عظيمًا؛ إذ هو يُصلح قلوب الناس وعقولهم، وذلك أشرفُ من إصلاح أبدانهم وأموالهم. ولم يكن هذا تنظيرًا عابرًا، بل أفردت له مكتبتُنا التربوية مصنّفاتٍ في أدب المعلّم والمتعلّم، كـ«تذكرة السامع والمتكلّم في أدب العالم والمتعلّم» لابن جماعة، و«تعليم المتعلّم طريق التعلّم» للزرنوجي؛ شاهدةً على أنّ التربية عندنا علمٌ مؤصَّلٌ، لا عاطفةٌ عابرة.

أثرٌ لا ينقطع

ولمّا كانت التربية بناءً للإنسان، كان أثرها أبقى من أن ينقضيَ بانقضاء العام؛ بل من رحمة الله بالمعلّم أنّ أجره ممتدٌّ بعد عمله، كما قال ﷺ: «إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» (رواه مسلم). فكلُّ طالبٍ تعلّم على يدِ معلّمه خيرًا ثمّ عمل به أو علّمه، جرى أجرُه في صحيفة معلّمه وإن طوته الأرض؛ وزاد الشارعُ هذا المعنى تأكيدًا حين جعل الدالَّ على الخير كفاعله: «مَن دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجر فاعله» (رواه مسلم).

وهذه هي الثمرة التي لا تُقاس بالأرقام ولا بالشهادات؛ فكم من طبيبٍ أو مهندسٍ أو قائدٍ ما زال يستحضر كلمةً من معلّمٍ رسمت طريقه. فإن لم يَلقَ المعلّمُ في الدنيا ما يستحقّه من تقدير، ومرّت بعض جهوده دون أن يلتفت إليها أحد، فليطمئنّ؛ فالعمل المخلص محفوظٌ عند الله، القائل: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].

الأسرةُ شريكٌ لا مُتفرِّج

غير أنّ هذا الأثر الباقي لا تنهض به المدرسة وحدها؛ فالنجاح ثمرةُ شراكةٍ بين البيت والمدرسة، متى تخلّى أحد طرفيها انكسر الجناح. وقد حمّل الشارعُ الوالدَين أمانةَ التربية حين قال ﷺ: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيّته» (متفق عليه)؛ فالأبُ راعٍ، والأمُّ راعية، والمعلّم راعٍ، وكلٌّ مسؤولٌ عمّا استُرعِي. ومن أجل ذلك يستحقّ الآباء والأمهات كلَّ الشكر على ما بذلوه من متابعةٍ ودعمٍ وصبرٍ طوال العام؛ فقد كانوا شركاء في الإنجاز، وسندًا في مواطن الجدّ، وسببًا — بعد توفيق الله — في كثيرٍ مما تحقّق.

وتبقى الرسالة

وبعدُ، فقد انقضت أيام الدراسة بما حملته من اختباراتٍ وتحدّياتٍ وإنجازات، وربما لم تكن الطريق سهلةً على الدوام، غير أنّ الإرادة والإخلاص جعلَتا من كلِّ عقبةٍ فرصةً للنموّ. وصدق أميرُ الشعراء أحمد شوقي حين رفع المعلّم إلى منزلةٍ تكاد تُلامس مقام النبوّة في عِظَمِ الأمانة:

قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا ∗∗∗ كَادَ المُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا

فيا أيها المربّون: لا تَزْهَدوا في رسالتكم وإن قلّ الشاكرون، فإنّ بناء الإنسان أعظمُ ما يُبنى، وأبقى ما يُذكر. وفي ختام هذا العام نقول: شكرًا لكلِّ من علَّم، وشكرًا لكلِّ من ربّى، وشكرًا لكلِّ من دعم وساند وشارك في صناعة النجاح؛ للمعلّمين والمعلّمات، وللقيادات التربوية، وللإداريين والإداريات، وللآباء والأمهات، ولطلّابنا وطالباتنا الذين كانوا محورَ الرحلة وغايتها.

قد تُغلق دفاترُ العام، وقد تنتهي الحصص والدروس، لكنّ أثر العطاء يبقى، وتبقى رسالة التعليم منارةً تضيء الطريق للأجيال. فجزى الله الجميع خيرَ الجزاء، وبارك في جهودهم، وجعل ما قدّموه في موازين حسناتهم، وأدام على أوطاننا نعمةَ العلم والتعليم.

Loading