شجرةٌ في قريةٍ لا أحدَ يتذكَّر متى غُرست، ولا مَن غرسها، وكأنها كانت هناك قبل أن تكون القرية، وقبل أن يجتمع فيها الناس. جذورُها تشقُّ الأرض شقًّا، وتمضي في أعماقها، وفروعُها تبسطُ الظلال، وتحول بين المستظل وما يؤذيه من حرٍّ وشعاع، وأهلُ القرية ينعمون بخيراتها من ثمرٍ ومن ظلٍّ ومن أعوادٍ تسقط من أغصانها، وفي يومٍ جاء رجلٌ من مدينةٍ بعيدة، يحمل دفترًا ومعطفًا ثقيلًا لا يتناسب وطقس القرية ولا طقوسها. وقف أمام الشجرة وأدار بصره، ثم سأل أوَّل من لقيه:
هل تنحني مع الريح؟
فأجابه الرجل: لا
هل يمكن اقتلاعها؟
لا
اكتفى بتلك النظرة، ورأى أنّها ليست ضعيفة كما عهد في بيئته، ولها تاريخٌ ممتدٌ، فتح دفتره وكتب بخطٍّ واثق لا يتردَّد: “شجرةٌ صلبة، تأبى التكيُّف، قديمة بالية لا مستقبل لها.”
أطبق الدفتر وسار، والشجرة باقية.. هذه القصّة وما فيها من تجنٍّ وظلمٍ وقلبٍ للأحكام، وعدّ المحاسن من المساوئ هو ما مُنيت به اللغة العربية في هذا العصر؛ إذ عدّها من لا يفقه قوانينها، ولا يحسن علومها جامدةً!
وخلاصة هذه الدعوى أنَّ اللغةَ العربيةَ لغةٌ جامدة، وأنَّ بنيتها الصرفية والنحوية تحول دون استيعاب الحضارة ومواكبة متطلبات العصر، وهي تهمةُ المستشرقين، وعلى رأسهم أرنست رينان الذي أسرف في الطعن على العربية، وتلقَّف هذه الفريةَ بعضُ العرب فأعادوا ترديدها دون تمحيص. وهذه التهمة لا تُقبل ما لم يُحدَّد المقصود بالجمود تحديدًا علميًّا دقيقًا؛ إذ الجمودُ وصفٌ ملتبس، فما يعدُّه بعضهم جمودًا يعدُّه الآخرون ثباتًا ودليلًا على المتانة والقوة.
انطلق رينان من مقدِّمة فلسفية مشبوهة، هي أنَّ اللغات السامية بطبيعتها أدنى من اللغات الآرية، وأعجز عن استيعاب التجريد الفلسفي والعلمي. وهي مقدِّمة يردُّها التاريخ ردًّا صريحًا؛ لأنَّ العربية احتضنت علوم الفلسفة والطب والفلك والرياضيات في عصرها الذهبي، وأنَّ كثيرًا من مفاهيم الحضارة الإنسانية المعاصرة انتقلت إلى أوروبا باللغة العربية لا بلغة سواها. وهذه التهمة تكرَّرت وأُعيدت بصورٍ متعددة، وفي قوالب مختلفة، حتى صارت على ألسنة بعض المتعلمين حقيقةً مسلَّمة لا تُساءَل!
والعجب ليس في أن يقولها رينان، فذلك شأن من يكتب وهو يرى في اللغات الأوروبية المعيارَ الأوحد للرقي؛ العجب أن يُردِّدها من نشأ على العربية وتشرَّب فصاحتها!
إنّ الحكم على “العربية” يتطلَّب أوَّلًا تحديد أيِّ عربية يُراد.
فاللغة العربية مستوياتٌ لا مستوى واحد: منها الفصيح الذي يمثِّل المعيار والمرجع، ومنها الدارجة العامية المتشعِّبة في أقطار المشرق والمغرب، ومنها مستوىً وسيط تتحدَّث به وسائل الإعلام.
ثم إنَّ اللغة في ذاتها تتكون من مستويات التحليل: الأصوات والحروف، والصرف المفردات، والجمل والتراكيب، والمعاني والدلالات. والتطوُّر قد يمسُّ مستوىً ولا يمسُّ آخر، فمن الخطأ المنهجي أن يُعرَض على اللغة حكمٌ واحد يُسوِّي بين هذه المستويات جميعًا.
ولا أظنُّ أنَّ المقصود بالجمود اللغةُ الدارجة العامية، فانفلاتُها من الفصحى واقعٌ ملموس يدركه الجميع. وفي وجود هذا الانفلات نفسَه ما يدحض دعوى عدم قابليتها للتغيير من أساسها؛ إذ كيف تُوصف لغةٌ بعدم التغيُّر وشواهد التغيُّر ناطقة على كلّ لسان؟
وهذا التغيُّر في العامية لحنٌ وانحراف لا ينبغي أن نعدَّه تطوُّرًا، فالتطوُّر الحقيقي يصعد باللغة لا يهبط بها. وبهذا يتَّضح أنَّ المحكَّ الحقيقي لدعوى الجمود إنَّما هو الفصحى وحدها، وإليها ينصرف الحديث!
تعرَّضت اللغة العربية الفصحى للتغيير في مستوى المفردات والتراكيب والدلالة تعرُّضًا تلحظه عينُ القارئ غير المتحيّز، فمنذ العصور الأولى والعربية تُوجِد لنفسها أدوات التوليد، و التجديد في المفردات وفي المصطلحات تُغني عن الاستعارة العشوائية من اللغات الأخرى؛ إذ إنَّ الاشتقاق والتوليد والتعريب والمجاز كلٌّ منها مسلكٌ من مسالك تنمية الثروة اللفظية. فلمَّا احتاجت العربية إلى أسماء العلوم والتقنيات الحديثة، شرعت مجامعها اللغوية في اشتقاق المصطلحات وتوليدها، فصارت الكيمياء والفيزياء والحاسوب والبرمجيات في معاجمها الاصطلاحية بألفاظ عربية المبنى والإيقاع.
أمَّا على المستوى الصوتي والنحوي فلم تتغيَّر الفصحى تغيُّرًا بيّنًا على مدى قرون، وليس مردُّ ذلك إلى أنها عاجزة عن التغيُّر، بل لأنَّ هذا الثبات مقصودٌ ومطلوب. ذلك أنَّ ثبات النظام اللغوي هو الذي يضمن أن تظلَّ اللغة جامعةً لا مجموعة لهجات متنافرة، وأن يستطيع قارئ اليوم أن يفهم نصَّ الأمس دون ترجمة أو وسيط. والفقه اللغوي يُفرِّق بين الثبات المحمود المقصود والجمود المذموم الناتج عن العجز، وثباتُ الفصحى من النوع الأول لا الثاني.
وبقاءُ النظام اللغوي العربي الفصيح عبر القرون المتطاولة، الذي يعدُّه المنتقدون من عيوب العربية، هو بعينه ما يفخر به أبناؤها، وهو دليلُ صلاحِه وصلاحِها.
ولا أزعم أنَّ العربية بمنأى عن كلّ مشكلة؛ فثمَّة إشكالات حقيقية في التعليم، وإخفاقاتٌ في إنتاج المصطلح العلمي في وقته، وقصورٌ في نشر الفصحى نشرًا حيًّا في الفضاء العام. ولكن هذه مشكلات المؤسسات والسياسات، لا مشكلات اللغة في بنيتها وطبيعتها. والخلط بينهما هو ما يجعل دعوى الجمود تبدو مقنعةً وهي في حقيقتها مغالطة — كمن يرى شجرةً قصّر أهلُها في العناية بها، وفي ريِّها فيُصدر حكمه على الشجرة على البذرة.
![]()
![]()