العمل التطوعي.. حين يصبح العطاء مسارًا وطنيًا

الكاتب: حنين بنت أحمد الزهراني

في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، ويغلب فيه الطابع المادي على كثير من مجالات العمل، يظل العمل التطوعي مساحة إنسانية خالصة، تعيد الاعتبار لمعنى العطاء، وتمنح الفرد فرصة حقيقية لترك أثر يتجاوز حدود الوظيفة والمسمى الوظيفي ليكون ركيزة أساسية من ركائز بناء المجتمعات؛ وانطلاقًا من هذا الدور الإنساني العميق، تتجلى أهمية العمل التطوعي في كونه الجسر الذي يربط بين طاقات الأفراد وخدمة المجتمع، ويمنح أصحاب الخبرات مجالًا أوسع للتأثير الإيجابي خارج الإطار الوظيفي التقليدي.

إن مجتمعنا يزخر بكفاءات وطنية عالية، وخبرات تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل والعطاء، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه الطاقات لا يجد منصة مناسبة لتوظيف قدراته خارج الإطار الوظيفي التقليدي، وهنا يبرز العمل التطوعي كمسار مكمل يستوعب هذه الخبرات ويوجهها نحو خدمة المجتمع، ويحوّل المعرفة والمهارة إلى أثر إنساني مباشر.

وإذا نظرنا إلى واقعنا نجد بعض الأفراد يقضون عمرا كاملا في وظيفة يؤدونها بإخلاص، دون أن يحظوا بالتقدير المعنوي الذي يوازي حجم جهدهم وتفانيهم. هذا الشعور قد يشكّل نقطة تحوّل إيجابية حين يدرك الإنسان أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بالمنصب أو التقدير الوظيفي، بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين. وهنا يجد العمل التطوعي مكانه كمساحة إنصاف معنوي، يُقدَّر فيها الإنسان بما يقدمه، لا بما يُمنح له رسميًا.

ولا يقتصر أثر العمل التطوعي على الفرد، بل يمتد ليشمل المجتمع بأكمله، حيث يسهم في تعزيز التلاحم الاجتماعي، ونشر ثقافة التعاون والتكافل، وبناء جسور الثقة بين أفراده، كما يشكّل التطوع بيئة خصبة لاكتشاف المواهب، وتنمية المهارات، لا سيما لدى الشباب، الذين يحتاجون إلى فرص عملية تمنحهم دورًا فاعلًا في خدمة وطنهم والمشاركة في صناعة مستقبله.

وانطلاقًا من هذا المفهوم الشامل، أولت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 العمل التطوعي اهتمامًا بالغًا، وجعلته أحد مسارات بناء المجتمع الحيوي. فقد سعت الرؤية إلى رفع أعداد المتطوعين، وتنظيم جهودهم، وتحويل العمل التطوعي من مبادرات فردية متفرقة إلى منظومة مؤسسية مستدامة، تستثمر الإنسان بوصفه رأس المال الحقيقي للتنمية.

ويتجسد هذا التوجه الوطني بوضوح في الدور الإنساني الذي تؤديه المملكة على الصعيد الدولي، حيث حققت السعودية المرتبة الثانية عالميًا والأولى عربيًا في تقديم المساعدات الإنسانية لعام 2025، وهذا الإنجاز يعكس حجم الالتزام السعودي بقيم العطاء الإنساني، ليس كشعارات، بل كسياسة دولة راسخة تمتد آثارها إلى مختلف مناطق العالم، خصوصًا في أوقات الأزمات والكوارث.

ويؤكد هذا الحضور الإنساني العالمي أن العمل التطوعي في المملكة رسالة إنسانية عابرة للحدود، تنطلق من قيم راسخة في المجتمع السعودي، وتُترجم عبر مؤسسات الدولة ومنصاتها الإنسانية إلى مبادرات إغاثية وتنموية فاعلة. وهكذا يتكامل البعد الداخلي للعمل التطوعي، المتمثل في تمكين المجتمع وأفراده، مع البعد الخارجي الذي يعكس صورة المملكة كدولة سبّاقة في العطاء الإنساني والمسؤولية العالمية.

ويبقى العمل التطوعي أحد أنبل المسارات التي تعبّر عن وعي المجتمعات ورقيها، ويظل العطاء الإنساني شاهدًا على أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يشغله من منصب، بل بما يقدمه من أثر. وفي ظل رؤية طموحة جعلت الإنسان محور التنمية، يثبت التطوع أنه مسار وطني وإنساني يصنع الفرق، ويجسّد روح المملكة العربية السعودية في الداخل، ورسالتها إلى العالم.

Loading