الامتنان.. مهارة القلب التي تغيّر الحياة

في زحام الحياة وتسارعها، وفي خضم الضغوط والأحلام المؤجلة، ننسى أن هناك نعمة لا تُشترى، ولا تُعطى، بل تُستخرج من أعماقنا.
إنها الامتنان… تلك الطاقة الهادئة التي تُرمم الداخل، وتُعيد ترتيب نظرتنا لما حولنا.

 

كلمة واحدة، لكنها تُغيّر المزاج، وتُخفف الألم، وتُضيء القلب وسط العتمة:

الحمد لله.

 

ما هو الامتنان؟

الامتنان ليس فقط أن نشكر، بل أن نُبصر، أن نتأمل ما بين أيدينا، أن نتوقف لحظة لنرى ما اعتدنا عليه كأنه جديد… الهواء، القهوة، الضحكة، عافية البدن، والسكينة.

هو حالة عقلية وروحية، تُعلّمنا أن نرى النعمة قبل أن نفقدها، وأن نحتضن الحياة رغم تقلباتها.

الامتنان لا يعني أن حياتك كاملة، بل أنك اخترت أن ترى الجانب الكامل منها.

 

الامتنان من زاوية علم النفس:

علم النفس الإيجابي يؤكد أن الامتنان من أكثر العوامل التي تُحسّن الصحة النفسية والعاطفية.
فقد وجدت دراسات في جامعة كاليفورنيا أن من يكتب “ثلاثة أمور ممتن لها يوميًا” لمدة أسبوعين، يشعر بتحسّن في المزاج والنوم والتفاعل مع الآخرين بنسبة تفوق 30%.

وأثبتت دراسة من Harvard Health Publishing أن الامتنان المنتظم يقلل التوتر، ويزيد من مستوى السيروتونين والدوبامين – وهي هرمونات الراحة والسعادة.

 

الامتنان لا يُلغي الحزن… لكنه يُهذّبه

 

ليس المطلوب أن نكون سعداء طوال الوقت،
لكن حين نقابل الألم بنظرة شكر،
حين نقول: “الحمد لله رغم هذا التعب”،
فنحن لا ننكر الألم، بل نمنحه معنى.

 

الامتنان يجعلنا نحتمل، ويمنحنا القدرة على أن نقول:
“ما زال في حياتي ما يستحق أن أبتسم لأجله.”

 

كيف نزرع الامتنان في حياتنا؟

نبدأ بشيء بسيط: دفتر صغير، وقلم، وكلمة “الحمد لله”.
كل مساء، نكتب 3 نِعم حدثت لنا اليوم، مهما كانت صغيرة:
صوت أذان، رسالة لطيفة، لحظة هدوء، دعاء شعرنا به.

ومع الوقت، سنلاحظ أن تركيزنا لم يعد على ما ينقصنا…
بل على ما لدينا فعلاً، وهذا وحده، كفيل أن يُغيّر الحياة.

 

الامتنان في الإسلام:

ديننا علّمنا أن الشكر من صفات الأنبياء، وأن (حَمْدَ الله) هو أول ما يُقال وأفضل ما يُقال.
قال تعالى:
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}
[إبراهيم: 7]

الامتنان في الإسلام ليس سلوكًا نفسيًا فقط، بل عبادة قلبية، بها نرتقي، وبها نحيا.
فكم من شخص يملك الكثير، لكنه لا يشعر بشيء!
وآخر يملك القليل، لكن قلبه ممتلئ، لأن فيه الحمد والرضا.

 

أن نكون ممتنِّين، لا يعني أن حياتنا مثالية،
بل أننا نرى النور رغم الغيم، ونقول:
“الحمد لله”… ونبتسم.

 

الامتنان لا يُغيّر ما يحدث،
لكنه يُغيّرنا نحن… ويجعلنا أقوى، وأهدأ، وأقرب إلى الله.

 

فامضِ في يومك بهدوء، وارفع قلبك للسماء،
وقُل من أعماقك:
“اللهم اجعلني لك شَكورًا، في الرخاء والبلاء.”

Loading

الكاتب: سلوى الجهني