كلّ إنسان له روايةٌ مستقلّة، يحمل معه رؤيةً ينظر بها، وميزانًا يزن به من حوله، فيرمي هذا بالجبن ويصف ذاك بالشجاعة، ويمدح هذا بالوفاء ويتّهم ذاك بالغدر، وكلٌّ يدّعي وصلًا بالموضوعية والإنصاف، والتجرد للحقّ، وإنّما تتشكّل هذه الأحكام – في الغالب- من تجارب المرء وعلمه ونفسيّته ومجتمعه، وهي عوامل يطغى بعضها على بعض طغيانًا لا يتفطّن لها إلا أولو الألباب، ذلك أنّ الإنسان يملك قدرةً عجيبة في التزييف والتدليس، ومواراة الأسباب الحقيقية وتقديم سواها. فمن ذا الذي يعترف بأنّ حُكمه كان مبنيًّا على تجربة عابرة، أو علّةٍ نفسيّة لا صلة لها بالإنصاف؟
هل تأملت يومًا ما طبيعة الاختلاف؟
الاختلاف بين الأمم الذي يشمل الهويّات، والعقائد والثقافات، والاختلاف المجتمعي من مجتمع إلى آخر في الأمة الواحدة، وما يُصنّف في المحظور من العادات، وطقوس المناسبات من أفراح وأتراح، في الملبس والمأكل وما يستساغ منها ولا يستساغ، من ذلك للتمثيل فقط موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من أكل الضبّ فقد ” أُتيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بضَبٍّ مَشويٍّ، فأهوى إليه ليَأكُلَ، فقيلَ له: إنَّه ضَبٌّ، فأمسَك يَدَه، فقال خالِدٌ: أحَرامٌ هو؟ قال: لا، ولَكِنَّه لا يَكونُ بأرضِ قَومي، فأجِدُني أعافُه” هذا الذي لا يستسيغه صلى الله عليه وسلم وقومه، ومن هم بجوارهم، يُعد من لذيذ الطعام عند غيرهم، وقس على هذا تصادف رشدا.
ويحسُن هنا استحضار قصّة الرجل الذي فقد فأسه، فظنّ أنّ جاره سرقها!
ما إن تمكّنت هذه الخاطرة من نفسه حتى غدا يلبسها لبوس التحقيق الموضوعيّ؛ فمشية الجار — في عينه — مشيةُ لصّ، وكلامه كلام سارق، وكلّ حركة منه شاهدةٌ بالجُرم، ثمّ تبدّدت هذه «الأدلّة» جميعها حين اكتشف أنّ ابنه نقل الفأس من مكانها؛ فلا سرقة ولا سارق.
فتأمّل كيف شيّد صاحب الفأس حُكمه على ما حسبه قرائنَ ظاهرة، وزعم أنّه ما بلغها إلا بعد تحرٍّ وتثبّت! وما هي إلا صنيعة ظنّ مسبق أعاد ترتيب الوقائع لتوافق ما استقرّ في نفسه. هذا والشأن في القصة محدود: شخصان، وقضيّة واحدة، وأمدٌ قصير، فكيف لو تشعّبت العلاقات، وتراكمت القضايا، وامتدّ الزمن؟!
وفي قصّة قوم لوط عليه السلام المشهورة مع نبيهم مشهدٌ أوسع، وحادثةٌ أعمّ تدل على العلّة الحقيقية لموقفهم، فلم يكن ردّهم عليه مناظرةً في حجّة أو بحثًا عن حقيقة، إنّما كان حكمًا أملته شهوةٌ راسخة وعادةٌ مستحكمة. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦۤ إِلَّاۤ أَن قَالُوۤا۟ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡیَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسࣱ یَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢].
ولم ينخرط لوط عليه السلام في فساد قومه، ولم يغترف ما اغترفوا، بل دعاهم لترك ما هم مقيمون عليه، فهو من وجهة نظرهم خارجٌ عن عاداتهم، ومفارقٌ لجماعتهم، وقد يؤذيهم بالإصلاح المفسد لما اعتادوا عليه من رذيلة، فشهوة الفاحشة، وتمكّن العادة السيئة، وشيوع الدنس في هذا المجتمع كانت هي الأسباب الحقيقية وراء ذلك الموقف، وهذا شأن كثيرٍ من الممانعة عبر التاريخ، وحال الأنبياء مع أممهم؛ إذ تعود في الغالب إلى أسباب نفسية واجتماعية، وهذه الأسباب مستترة خلف حجاجٍ مصنوع.
هذا وقد ينقلب الحكمُ، ويصبح الجبان حكيمًا، والشجاع متهورًا، والأمين خائنًا، والخائن أمينًا؛ لاختلاف هويّته، أو تغيير حزبه، ولتحوّل انتمائه فقط، ولحبّ الفاعل أو بغضه.
ويَقبُح مِن سواك الفعلُ عندي
وتفعلُه فيحْسنُ منك ذاكا
ومن المشهور في هذا قصة إسلام عبد الله بن سلّام رضي الله عنه؛ إذ قال للرسول صلى الله عليه وسلم:” أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّكَ رَسولُ اللهِ، قال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ اليَهودَ قَومٌ بُهتٌ فاسألْهم عَنِّي قَبلَ أن يَعلَموا بإسلامي، فجاءَتِ اليَهودُ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ رَجُلٍ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ فيكُم؟ قالوا: خَيرُنا وابنُ خَيرِنا، وأفضَلُنا وابنُ أفضَلِنا، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أرَأيتُم إن أسلَمَ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ، قالوا: أعاذَه اللهُ مِن ذلك، فأعادَ عليهم، فقالوا: مِثلَ ذلك، فخَرَجَ إليهم عبدُ اللهِ فقال: أشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، قالوا: شَرُّنا وابنُ شَرِّنا، وتَنَقَّصوه، قال: هذا كُنتُ أخافُ يا رَسولَ اللهِ”.
هكذا ليس بين عشية وضحاها، وإنما بين شهادة انتقل بها اليهوديّ إلى الإسلام فأصبح كريمُ الأخلاق عديمها في الوقت نفسه قبل أن يروا منه خلاف معهودهم عنه، تغيّرت هُويّته في ناظرهم فانقلبت أوصافه كلّها في طرفة عين، وهذا الحكم ستُبنى عليه السرديات، والعديد من الحكايات، وسيكون أساسًا للمواقف والتعاملات اللاحقة، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ
وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا
فلم تتغير الحقيقة، ولم يتبدل الواقع، ولم تتطور المعطيات، وإنما استبدل الناظر منظاره.
أحسب أنّ في هذه القصص الثلاث ما يكفي للتنبّه، إلا أنّ نظائرها في الواقع أوفر من أن تُحصى، فكلّ موقف خلفه تصوّر، وكلّ تصوّر وراءه عوامل شتّى.
راقبْ الحجاج المرافق لمواقف الناس من حولك، وحلّل مرافعاتهم، ولا يشغلك ما يُظهرون عمّا يُضمرون؛ فقد لا يدركون هم أنفسهم أنّ وراء أحكامهم أسبابًا لم تخطر لهم ببال؛ لأنّ تلك العوامل تتغلغل في الإنسان، وتمتزج بمشاعره وفكره، فتخرج في صورٍ لا يعيها صاحبها. أليس صاحب الفأس كان يعتقد اعتقادًا جازمًا بأنّ حكمه ثمرةُ تحرٍّ ونظرٍ سديد؟
هل تأمّلت من قبلُ في مواقفك، وفي أحكامك، وفي تصوّراتك؟ ألم تشعر بأنّك لم تعط بعض الأمور حقّها؟ وأنزلت بعض القضايا منزلة فوق منزلتها؟
نعم هذه درجة رابعة من درجات الاختلاف بعد اختلاف الأمم، واختلاف المجتمعات، واختلاف الأفراد، اختلاف المرء مع نفسه، وتغيير تصوراته، وتبدّل آرائه، ومراجعة مواقفه، ووراء هذه المواقف، وتلك التصوّرات عوامل متعددة -كما أشرنا من قبل- منها العلمي ومنها النفسي، والاجتماعي، فحال المرء مع نفسه، وقد تغيّرت المعطيات كحاله مع غيره من اختلاف وتمايز.
قد يُشْعِر ما تقدّم الميل إلى نسبيّة مطلقة تُسقط كلّ حكم وتُلغي كلّ معيار. وهذا غير صحيح، بل يفضي إلى الاعتقاد بأنّ الإنسان محتاجٌ أشدّ الحاجة إلى مرجعيّة تتجاوز ذاته القاصرة المتأثّرة بنفسيّتها وبيئتها وتجاربها الخاصّة.
لأنّ النفس البشريّة — وإن تحرّت الإنصاف — محكومةٌ بطبيعتها: فالصواب عندها ما ألِفته، والحقّ ما انتسبت إليه، وبناء على ذلك فلا غنى عن ميزانٍ لا تميل به الأهواء، ولا تتلوّن بتلوّن النفوس. مرجعيّةٌ شرعيّة ربّانيّة تفرز الحسنَ من القبيح، وتفصل بين الحقّ والباطل، وتضع حدودًا للحلال والحرام، وتَدَع للناس اختيارهم القائم على الاختلاف فيما سوى ذلك من المباح.
وبغير تلك المرجعيّة يدور الناس في حلقةٍ لا منتهى لها: حكمٌ فتبرير، وتبرير يرسّخ اعتقادًا، ثم اعتقاد يؤكد حكمًا وهكذا، ومن رام الخروج من تلك الحلقة فليرفع بصره فوق ذاته، ولينظر بميزانٍ أثبتَ من ميزان البشر.
![]()
![]()