من أبرز العوامل المؤثرة على تعدد اللهجات في نطاق جغرافي معيّن هي الحواجز الفاصلة بين المتحدثين، وقد يفصل بين المتحدثين حدود سياسية، أو حدود جغرافية، كالجبال والأنهار والصحاري، أو حدود اجتماعية، كالطبقات الغنية والطبقات العاملة ممن لا يختلطون ببعضهم، أو غيرها من أنواع الحواجز المانعة من التواصل البشري المباشر؛ فينتج عن هذا الفصال تفرّع في مسارات التغيّر اللغوي، ومنه نشأة لهجات مختلفة.
ولكل لهجة مستقلة قيمةٌ إنسانية واجتماعية ولغوية. فقيمتها الإنسانية أو الأنثروبولوجية تنبع من كون اللغة قالب حفظ الثقافة، ويبقى من تراث المجتمع وفكره وعاداته وأدواته بقدر ما يبقى من لغته، وقد نصت على هذا السياسة الوطنية السعودية للغة العربية في منطلقاتها التأصيلية فقالت إن “اللغة هي وعاء الثقافة، وحاضن الحضارة”. وقيمتها الاجتماعية تتمثل في كونها صلة تربط كل متحدث من المجتمع بأهله، وتثبت انتماءه إليهم، مؤدية دور شفرة الدخول إلى المجتمع والاندماج فيه، انظر إلى قوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [ إبراهيم: 4]، وإلى ما كان من نزول القرآن على سبعة أحرف، وإلى ما كان من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطب كل قوم بلسانهم كما قال القاضي عياض. وقيمتها اللغوية تتمثل في كونها مسارًا طبيعيًا للتطور اللغوي الناتج عن الملكة اللغوية الإنسانية التي أودعها الله فينا، فكل لهجة وكل لغة وكل طريقة نطق وكل أسلوب تركيبي هنّ أثر وأحفورة لغوية كانت نتاج فكر وحيوات أجيال سابقة، وهي جديرة بأن تدرس لتوصلنا إلى تعميق فهمنا لسنن اللغات الإنسانية، وهذا ما قام وما زال يبنى عليه علم اللسانيات الحديث، لنصل به من معرفة ظواهر لغوية مخصصة إلى دراسة تاريخ تطور اللغات البشرية عامة، أو لغة خاصة، وتوقع مآلها في المستقبل، وحل المشكلات التربوية والصحية والاجتماعية والسياسية المرتبطة باللغة.
والجزيرة العربية مهد اللغة العربية، فمنها نشأت اللغة العربية ولهجاتها، بصورها المعاصرة والتاريخية، وصورها المحكية والأدبية. وقد كانت الجزيرة العربية لقرون مديدة منطقة كثيرة الحواجز الاجتماعية والسياسية بين المتحدثين، منها ممالك في الحجاز، وأخرى في اليمن، وغيرها في البحرين، ونجد، وغيرها. هذا غير المجتمعات القبلية التي ماثلت في وحدتها ونظمها الإداري دولًا مستقلة لها جيشها ولها مواطنها. أضف إلى هذا الحواجز الجغرافية، كصحراء الربع الخالي الفاصلة بين نجد وعمان، وصحراء النفود بين نجد والعراق، والحواجز الجبلية الفاصلة بين المجتمعات المستقرة في جبال السروات والحجاز. ونشأ عن كل هذه الحواجز الجغرافية والسياسية والمرتبطة بنمط الحياة تنوع واسع في السمات اللغوية المتحدثة في مناطق مختلفة من الجزيرة.
وقد منّ الله علينا في القرن الماضي بتوحيد المملكة العربية السعودية، وتطور البنية التحتية فيها، وما نتج عن هذا من تحسن المستوى المعيشي في السعودية، وسهولة التنقل بين مختلف مناطق المملكة، وكثرة التواصل بين مجتمعات لم تكن على علاقة ببعضها قبل ذلك، فاختلطت المجتمعات السعودية ذوات اللهجات المختلفة تاريخيًا، ومن نتائج الاتصال اللهجي انحسار السمات اللغوية اللافتة من كل اللهجات المختلطة، وفقدها، والسمات اللغوية إذا فقدت فإنها لا تكاد ترجع، إلا بمؤثرات خارجية قوية.
فما دورنا اليوم؟ ورث أغلبنا لهجة عربية عن آبائه وأجداده، ومع هذه اللهجة تراثه وإرث أسرته، ففي هذه اللهجة لمَسات من حيث سكن أهله وانتقلوا، وفيها كلمات مما اعتادوا فعله يومهم وليلهم، وفيها أمثال ضربوها لتعكس صفات رؤوها حميدة وأخرى ذمّوها… فعلينا حفظ هذا التراث، واستعماله، وإكرام والدينا وأجدادنا بخطابهم بما ألفوه وعرفوه من الكلام، ونقل ما أمكننا منه لبنينا. ثم إن علينا أن نعين أنفسنا وبعضنا على هذا، فلا تنتقص من كلام صاحبك إذا سمّى النافذة بغير ما تسميها، أو نطق الثاء بغير نطقك لها، أو ضرب مثلًا لم تألفه في تراثك ولا في تراث الفصحى. وبهذا نمكّن أنفسنا من الاعتزاز بهوياتنا، ونوسّع مداركنا بمعرفة ثقافات جيراننا وأصحابنا، لا سيما في مدننا وأماكن عملنا اليوم، ففيها من كل بستان زهرة، وما أشد أسفنا لو نتفنا كل بتلات الزهور المختلفة فلم يبقَ منهن إلا سيقانهن وقد تماثلن.
![]()
![]()