في يقظة العقل وخموده

قد يخطر للمرء أنه ما دام يقرأ، فهو حيّ العقل، نشيط الذهن، يقظ الفكر.

 

ولكنه ينسى أنه ليس كل تفكير يُحسب تفكيرًا، ولا كل استرجاع للمعاني يُعدّ حياةً للعقل؛ فقد يكون الإنسان آلةً تُعيد تشغيل ما أُدخل فيها من قبل، لا تزيد عليه ولا تنقص، إلا بما تقتضيه العادةُ من الاستهلاك والتكرار.

 

وقد يمرّ بالإنسان زمان، يرى فيه أن تفكيره، الذي كان حادًا نافذًا، قد أصبح خاملًا مترددًا، لا يستقر على غاية، ولا ينتهي إلى نتيجة؛ فيعود بالتهمة على نفسه ويحملها عبء سلوكه الخاطئ في التفكير، وهي من هذه الحال بريئة كل البراءة.

 

وعني أخبرك؛ فقد جرّبتُ أن أطالع كتبًا كثيرة في زمن قصير؛ فإذا بي -مع كثرة ما قرأت- لم أخرج منها إلا بما دخلت به، بل لعلي خرجت منها بما هو أقل؛ إذ استبدلتُ نشاط الفكر بكسل التلقي، وبدّلتُ السؤال الذّكي بالرضى المؤقّت عن إجابة لم أسألها أصلًا.

 

وأسوأ ما ينال من الفكر أن يُستحثّ بلا هدنة تُلتقط فيها الأنفاس وتُرتّب فيها الأفكار، ومثله في السوء أن يساق الفكر إلى غير غاية، كما أن من أسوَء عادات العقل أن يُعلّق على كل مسألة تعترضه، ثم يتركها قبل أن تُنجز ويذهب إلى غيرها؛ وهذا كله عبءٌ على الفكر يتوهم صاحبُه أنه نشاط.

 

وهنا موضع الخطر في حياة العقل، لأنه إذا خَمد، لم يشعر بخموده، وإذا ذهب يلاحق الأفكار؛ أوهمك بأنه يفكر؛ فهو عند نفسه يقرأ ويكتب ويفكر؛ إذن فهو في خير أحواله، ويغيب عنه أنه رغم السعي لا ينفذ إلى جوهر “بل هو كالأرجوحة تتحرك لكنها لا تبرح المكان”.

 

وليس أسهل على النفس من التظاهر بالحركة، ما دامت لا تُكلّفها السير، ولا أيسر على العقل من لبس ثوب الحياة، ما دام لا يُسأل: أين تذهب؟ وماذا يريد؟

 

والدواء، في ظني، ليس في الانقطاع عن القراءة، ولكن في تغيير نوعها، وفي الإلحاح على الفكرة، لا على الأسلوب، وعلى المعنى لا العرض.

 

ولا يغيب عنّا التنبيه إلى أن أضعف لحظات الفكر، إنما هي تلك التي يرفض العقلُ فيها التفكيرَ لا لضعف فيه، ولكن لضيقٍ في الصبر عليه؛ وتلك علامة لا على انحدار الفكر، بل على اضطراب المزاج، وعلى تشتت في حركة الخواطر داخل العقل.

 

ولو أدرك المرءُ أن الذهن لا يَضعف حين يصمت، بل حين يضجّ بغير نظام، وأن التفكير لا يفسد حين يتأخر، بل حين يُستعجل، وأن الفكرة لا تخون صاحبها، ولكنَّ صاحبها هو الذي يضيق بها إن لم تأتِ راكعة عند أول دعوة = لو أدرك هذا لكان قادراً على إدارة نفسه عند كل عارض أو شتات.

 

ورغم كل ما قدمنا فعلينا أن نفتح باباً للتفاؤل في مثل هذه الأحوال؛ فقد يكون التمزق بين الرغبة في التفكير والضيق به تحوّلًا من طورٍ إلى طور، وتمهيداً للانتقال من درجة في التفكير إلى درجةٍ أرفع منها.

 

لذلك فإن خير العقول ما أحسنَ التشخيص، ثم تمم إحسانه بالدلالة على أنفع دواء.

Loading

الكاتب: عبدالله الموسى