إذا نزلتِ الشدائدُ، تهاوت الأحقادُ كما تتساقطُ أوراقُ الشجرِ اليابس عند هبوب الرياح العاصفة؛ إذ لا يثبتُ في ميدانِ المحنِ إلا صادقُ الودّ، ولا يصمدُ في ساعةِ الخطرِ إلا مَن طهّر قلبه من أدرانِ الضغائن. فالضغينةُ سوسُ الأخوّة، تنخرُ عظمها خفيةً، حتى إذا جاء يومُ الاحتشادِ والاعتصامِ وجدتها أوهى من بيتِ العنكبوت.
وما كانت الأحقادُ يومًا زادًا في شدة، ولا كانت العداوةُ نصيرًا عند نزول البلاء؛ إنما هي وَهَنٌ يُلقي بصاحبه في مهبّ الريح، ويُفكِّك الصفَّ حين يُطلبُ التماسك، ويُشتِّت القلوبَ حين تُستنهَضُ للعهدِ والوقوف. فإذا ادلهمّت الخطوبُ، فليُلقِ المرءُ خلافَه وراء ظهره، ولينسَ ما كان من شحناء، وليشدَّ بأخيه عضده، فإن اليدَ الواحدةَ لا تصرعُ خصمًا، ولا تردُّ نائبة.
دع الرعونةَ، فإنها نزقُ العاجز، واترك خِفّةَ الطبعِ، فإنها آفةُ المواقفِ العظام. كن ذا جدٍّ لا هوادةَ فيه، وثباتٍ لا يتزعزع، ووقارٍ يَسِمُ الفعلَ قبل القول؛ فهكذا تُبنى الأخوّةُ في معمعة الشدائد، لا بالأماني، بل بالوفاء، ولا بالكلام، بل بالمواقف.
فإنما الرجالُ—إذا حزبَ الأمرُ—معادنُ تُمحَّص، وسيوفٌ تُستَلّ، فمنهم من يصدأُ عند اللقاء، ومنهم من يلمعُ إذا احتدمت الوقائع. فاختر لنفسك مقامَ الصفاءِ ساعةَ الكدر، ومقامَ النصرةِ ساعةَ الخذلان، تكن عند الشدائدِ أخًا يُعوَّل عليه، لا عبئًا يُتَّقى.
![]()
![]()