من المفارقات الحياتية أن كثيرًا من الناس يختزلون الدَّين في المال، مع أن التجربة الإنسانية أوسع من هذا التصور الضيق، فمن تأمّل علاقة المعلم الحقيقي بطلابه، أو الطالب بمعلمه، أدرك أن الدُّيون ليست كلُّها مالية، فبعضها أعمق أثرًا، وأبقى حضورًا، وأشدُّ رسوخًا في الذاكرة. دَينُ من علَّم ووجَّه وأمسَك باليد حين زلّت القدم، هو دينٌ يُستوفى بالدعاء الصادق، والوفاء الممتد، وحسن الذكر في الغيب والحضور.
نحن – شئنا أم أبينا– مدينون لأساتذة مرّوا بحياتنا فتركوا فيها أثرًا لا يُمحى ويزداد هذا الأثر نبلًا حين يكون الأستاذ رفيق دراسةٍ بالأمس، ثم يصبح معلّمًا وموجِّهًا دون ادّعاء أو تصريح؛ لأن أفعاله أبلغ من كل خطاب. يتعهّد طلابه بالسؤال، ويتابع أحوالهم رغم الشواغل، ويمنح من وقته ما لا تلزمه به لائحة ولا يُمليه عليه نظام.
وأحد هؤلاء في حياتي هو أستاذي العظيم: عبدالعظيم بن عبدالله هوساوي، الذي قرأت عليه القرآن كاملًا إبّان ختمي الأول للقرآن، فقوّم لساني بأحكام التجويد، وبصّرني بمواطن ضعفي لأقوّيها، دون أن يجرح عزيمتي، ثم أجازني بقراءة عاصمٍ برواييه (حفص وشعبة). ولم تنقطع صلته بي بعد ذلك؛ بل ظلّ يتعهّدني بالوصل والسؤال والزيارة، رغم تقصيري في حقه – عفا الله عني_. وقد أثبت لي بما لا يدع مجالًا للشك أن التعليم الذي ينتهي بانتهاء الزمالة، أو الحصة، معرفةٌ مؤقتة، أما التعليم الذي يمتدّ صلةً واحتواءً؛ فهو أثرٌ ممتدّ في ردهات الزمن.
وليس شعوري هذا مدحًا عابرًا بقدر ما هو تأمّل إنساني أجد صداه في الشعر العربي، حيث يقول طفيل الغنوي في مقام الوفاء:
جزى الله عنّا جعفرًا حين أشرفتْ
بنا نعلُنا في الواطئين فزلَّتِ
همُ خلطونا بالنفوس وألجؤوا
إلى حجراتٍ أدفأتْ وأظلَّتِ
أبَوا أن يمَلّونا، ولو أن أمَّنا
تلاقي الذي يلقون منّا لملَّتِ
هذه الأبيات ليست ثناءً من أجل الثناءفقط، بل تسجيلٌ شعوري أجده مناسبًا لكلّ معلم، فكم من معلّمٍ كان الناصح لطلابه بعد أن كادت القدم أن تزل، ولا شك هذا شأن كب معلم قدير، يلقاك في مواطن الاضطراب، فيربط على القلب، ويُحسن التدبير، ويحتمل ما لا تحتمله القرابة أحيانًا.
وفي الحِكم ما يضيء هذا المعنى. قيل: «من علَّمني حرفًا صرتُ له عبدًا»، وهي مبالغة بلاغية يُراد بها عظَم حق المعلم. وقالوا: «الفضل يُعرف لأهله ولو بعد حين»، لأن الأثر الحقيقي لا ينكشف في لحظة الدرس، بل بعد تقلّب الأحوال، وطول المسير.
ويشهد التاريخ لامتداد هذه الصلة بين المعلم وتلميذه، فهذا الإمام أحمد بن حنبل يجلّ الإمام الشافعي ويترحّم عليه، ويقول: «ما صلّيتُ صلاةً منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي». إنه وفاءٌ علميٌّ وأدبي تجاوز حدود التلقي إلى دوام الصلة، وكذلك كان كثير من العلماء يتتبّعون أخبار تلامذتهم، ويقفون معهم في محنهم الحياتية؛ لأنَّ العلاقة لم تكن علاقة مقررٍ يُنجز، بل سلّم ارتقاءٍ إنسانيٍّ طويل الأثر.
إن المعلم الذي يكتفي بإتمام المنهج قد أدّى وظيفة، أما المعلم الذي يبادر بالسؤال بعد سنوات، ويتواصل بعد انقطاع، ويشارك طلابه أفراحهم وإنجازاتهم، فهو الذي يصنع رمزيته في نفوسهم، ويغرس فيهم معنى الوفاء قبل أن يلقّنهم معلومة.
وأمثال هؤلاؤ يحرجوننا بصفاء تواصلهم، ويعلّموننا دون تصريحٍ قيمة الامتداد الإنساني للتعليم، فلهم في أعناقنا دعاءٌ لا ينقطع، وذكرٌ حسنٌ لا يزول.
خلاصة القول معشرَ القرّاء:
العلم عبارة عن معرفةٌ تُكتسب، وأمّا أثرُ المعلم فصلةٌ تُحفظ، وكل معلمٍ مدّ جسور التواصل بعد الدرس، فقد ثبّتَ قدمًا بعد اضطراب، ووسّع صدرًا كاد يضيق؛ وذاك دينٌ لا يُقضى إلا بالدعاء والذكر الحسن.
![]()
![]()