من الحجج الشائعة التي يستدل بها كثيرون على “سهولة” لغة ما أو “صعوبتها”: كثرة متعلميها وانتشارها الواسع في العالم. فيقال مثلاً: “الإنجليزية لغة سهلة، ولذلك انتشرت في كل مكان وتعلمها الناس”. وبالمقابل يقال: “العربية صعبة معقدة، ولذلك محدودة الانتشار خارج العالم العربي”.
وهذا خلط واضح بين المعايير المختلفة، وخطأ منهجي، فالانتشار اللغوي والإقبال على تعلم لغة ما يعودان إلى عوامل كثيرة ومتشابكة، ليس من بينها – في الغالب – “سهولة اللغة” أو “صعوبتها” في حد ذاتها، ولكن يعود إلى عوامل خارجيّة مؤثرة منها:
القوة السياسية والعسكرية:
فاللغات – في التاريخ البشري – تنتشر بانتشار نفوذ أهلها وقوتهم السياسية والعسكرية. فاللاتينية لم تنتشر في أرجاء أوروبا؛ لأنها كانت سهلة التعلم، ولكن لأن الإمبراطورية الرومانية فرضتها بسطوتها وقوتها. والإنجليزية أصبحت لغة واسعة الانتشار؛ لأن بريطانيا بسطت نفوذها على أجزاء واسعة من العالم، ثم تلتها الهيمنة الأمريكية في القرن العشرين.
القوة الاقتصادية:
ومن يملك الاقتصاد يملك جذب الناس لتعلم لغته؛ طلبًا للرزق وسعيا وراء الفرص التجارية والوظيفية. فالشاب الذي يريد أن يعمل في شركة متعددة الجنسيات، أو أن يهاجر إلى بلد الفرص فيه أكثر، أو أن يتاجر مع شعب يملك المال، سيتعلم لغة ذلك البلد أو ذلك الشعب مهما كانت صعوبتها. الدافع الاقتصادي أقوى بكثير من أي اعتبارات تتعلق بصعوبة اللغة أو سهولتها.
القوة الثقافية والحضارية:
فاللغة التي تحمل علمًا غزيرًا، ويُكتب بها الفكر العميق، ويُدون بها الأدب الرفيع يُقبل الناس على تعلمها إقبالاً واسعا، وهذا شأن اللغة الإنجليزية في هذا العصر، واللغة العربية في عصورها الذهبية؛ إذ كانت لغة العلم والفلسفة، والطب والرياضيات والفلك.
إذن من الخطأ الاستدلال بالانحسار على الصعوبة، والانتشار على السهولة، ومن المغالطات الاعتقاد بأنّ سبب انحسار اللغة العربية عائدٌ إلى اللغة ذاتها، أو قواعدها، فقد تعلّم اللغة العربية أقوامٌ من غير العرب: الفرس في المشرق، والترك في الأناضول، والأكراد في الجبال، والبربر في شمال أفريقيا، والهنود في شبه القارة، والأندلسيون في أوروبا، والصقالبة في أصقاع شتى، وكانت لغة العلم والإدارة والفقه والأدب، وكي لا يُظن أنّ هذا الكلام عاطفيّ، نسوق تلك الوثيقة التاريخية، التي أتت من مبغض للعربية حاقد على أهلها ناقم على شباب قومه؛ لتسابقهم على تعلمها وهي الشهادة التي نقلتها زيجريد هونكة في كتابها الشهير( الله ليس كذلك) تقول : “لقد ساء ذلك الآباء الروحيين النصارى، فقد كانوا شهود عيان في الأندلس لقوة جذب المد الروحي والفكري العربي، الذي سقط ضحيته رعاياهم طوعًا وعن طيب خاطر، يشهد بذلك أسقف قرطبة (ألقارو) الذي راح يجأر بشكواه بكلمات مؤثرة تصور بلواه: “إنّ كثيرين من أبناء ديني يقرءون أساطير العرب، ويتدارسون كتابات المسلمين من الفلاسفة وعلماء الدين، ليس ليدحضوها، وإنّما ليتقنوا اللغة العربية، ويحسنوا التوسل بها حسب التعبير القويم والذوق السليم.
وأين نقع اليوم على النصراني –من غير المتخصصين- الذي يقرأ التفاسير اللاتينية للإنجيل، بل من ذا الذي يدرس شيئًا منهم من الأناجيل الأربعة، والأنبياء ورسائل الرسل؟
واحسرتاه! إنّ الشبان النصارى جميعهم اليوم، الذين لمعوا وبزّوا أقرانهم بمواهبهم لا يعرفون سوى لغة العرب، والأدب العربي!
إنّهم يتعمقون دراسة المراجع العربية باذلين في قراءتها ودراستها كلّ ما وسعهم من طاقة، منفقين المبالغ الطائلة في اقتناء الكتب العربية، وإنشاء مكتبات ضخمة خاصة، ويذيعون جهرًا في كلّ مكان أنّ ذلك الأدب العربي جدير بالإكبار والإعجاب!
ولئن حاول أحدٌ إقناعهم بالاحتجاج بكتب النصارى، فإنّهم يردون باستخفاف، ذاكرين أن تلك الكتب لا تحظى باهتمامهم!… وامصيبتاه! إنّ النصارى قد نسوا لغتهم الأم، فلا تكاد تجد اليوم واحدًا في الألف يستطيع أن يدبج رسالة بسيطة باللاتينية السليمة، بينما العكس من ذلك لا تستطيع إحصاء عدد من يحسن منهم العربية تعبيرًا وكتابةً وتحبيرًا، بل إنّ منهم من يقرضون الشعر بالعربية، حتى حذقوه وبزّوا في ذلك العرب أنفسهم”.
هذا النص يغني عن كثير مما دُوّن، ومما يمكن أن يقال في تأكيد تلك الحقيقة، فاللغة العربية لم تنتقل من السهولة إلى الصعوبة، فاللغة هي هي بقوانينها وقواعدها ومعجمها وأدبها، ولكنّ هذا التراجع لأسباب خارجة عن اللغة، متعلقة بمكانة أهلها وقوتهم، وقدرتهم على التمسّك بهوتيهم وحضارتهم، وإدراكهم لمكانتهم بين الأمم.
![]()
![]()