لم تعد العلاقات الإنسانية في هذا العصر المُعَوْلَم تدار ضمن حدود ضيقة وأنماط مألوفة، بل انفتحت على أبعاد متعددة من الزمان والمكان؛ بفضل الطفرة الهائلة في التقانة، ووسائل الاتصال الرقمية، وقد أحدث هذا الانفتاح غير المسبوق – رغم غناه وفرصه – إرباكا وجوديا في علاقة الإنسان بذاته والآخر، إذ لم يعد الحوار الفعّال مجرد تبادل لغوي، بل غدا يتطلب مهارات في التفكير واللغة والأساليب والأدوات تستند إلى وعي عميق وتحليل دقيق.
يسعى هذا المقال إلى تحفيز الذهن وإشعال شرارة الإدراك بهذا الإشكال، مما يفرض علينا إعادة النظر في مهارتي التفكير والتواصل، بوصفهما من الركائز الأساسية لصناعة إنسان قادر على الفهم والتأثير والبناء.
بعد إدراك هذا الإشكال الناتج عن تعقّد العلاقات الإنسانية في العصر الرقمي، واستشعار الحاجة الملحّة لفهم الذات والآخر، يحسن أن نستنير بالمفاهيم والمصطلحات التي تدور في فلك معالجة هذا الإشكال؛ لتكون أدوات تحليلية تُعيننا على بناء فهم أعمق، وسلوك أكثر وعيًا.
في مقدمة هذه المفاهيم مصطلح “التفكير الناقد”، وهو تركيب وصفي يجمع بين “التفكير” بكونه نشاطًا ذهنيًا موجّهًا، و”النقد” بوصفه فعلًا تحليليًا يقوّم وينقّب ويختار، ويمكن تقريبه بأنه: نشاط عقلي منظّم، يهدف إلى التحليل والتمييز والاختيار، وصولا إلى رؤى وتصورات وأحكام تتسم بالحكمة والموضوعية، وتبتعد عن العشوائية والانفعال.
أما “التواصل”، فيمثل فعلًا إنسانيًا متبادلًا، تتجلّى فيه قدرة الفرد على الاستماع الجيد، ونقل الأفكار والقيم والمواقف والتوجهات عبر وسائط متعددة، ليس بهدف إيصال المعنى فحسب، بل لتحقيق التفاعل والتأثير، وتعزيز الاتصال الإنساني.
وإذ نُدرك هذه الأبعاد المفاهيمية، يمكننا الانتقال إلى فهم كيف تتكامل هاتان المهارتان وتتمازجان لتشكّلا منظومة معرفية وسلوكية تعد من الضرورات الملحة في عصرنا، عصر التشابك المعلوماتي والانفتاح الثقافي المستمر.
تعد مهارات الحوار، والإقناع، ونقل الأفكار بشكل واضح، والاستماع الفعّال أبرز عناصر التواصل الإنساني، غير أن فعاليتها ترتبط بتطويع مهارات التفكير الناقد؛ لتكون محركها وموجهها، فالتفكير الناقد يعزز عميلة التواصل عبر التحليل المنطقي للمعطيات، وتمحيص الافتراضات، وصياغة الأحكام بشكل مدروس مما يضمن تواصلاً موضوعيا فعّالا.
فالحوار يمثل بيئة خصبة لاحتضان التفكير الناقد؛ إذ يحفز على طرح الأسئلة، وتقييم الأدلة، واستخلاص استنتاجات تستند إلى العقل والمنطق، بعيدا عن بعض المغالطات الشائعة مثل التحيز التأكيدي، أو الاحتكام لرأي الأغلبية، والتي تضعف عملية التواصل وتشوه مساره الفكري.
أما الإقناع فلا يتحقق بالانفعال أو استدرار العاطفة فقط، بل يبنى على حجج منطقية متماسكة، تنطلق من مقدمات دقيقة إلى نتائج واضحة، تستند إلى المصداقية وتنظيم الأفكار في سياق عقلاني، ويتطلب ذلك تفكيرًا ناقدًا قادرًا على صوغ خطاب خالٍ من المغالطات المنطقية كـ: الاحتكام للعاطفة، أو السلطة، أو التعميم المتسرّع، أو تقديم خيارين حصريين وتجاهل البدائل الممكنة، فكل ضعف في الحجة يؤدي بالضرورة إلى خلل في فعالية التأثير ووضوح التواصل.
كذلك عرض الأفكار بوضوح لا يتأتى إلا إذا سبقته عمليات عقلية واعية من تحليل، وفحص، وتقييم؛ إذ لا يمكن للمتحدث أن يعبر بجلاء ما لم يكن قد أدرك الفكرة أولا من خلال أدوات التفكير الناقد، ويتضمن هذا العرض ترتيبًا منطقيًا للأفكار، ودعمها بالأدلة، وتقديمها بأساليب تبرز معناها وتشجّع على التفاعل معها.
أما الاستماع فهو ممارسة عقلية بامتياز، لا تقتصر على الصمت أو تلقّي الكلام، بل تتطلب انتباهًا وفهمًا وتفاعلًا واعيًا مع نبرة الصوت، ولغة الجسد، والمعاني الضمنية، ويفعل ذلك باستحضار التفكير الناقد أثناء إعادة صياغة ما يُقال، وطرح أسئلة نقدية تُحفّز المتحدث على التوضيح والتفصيل، مما يُثري الحوار ويُعزّز فهم الرسائل المتبادلة، ويقوي عملية الاتصال.
وهكذا فإن تعقد العلاقات الإنسانية في ظل الثورة الرقمية يتطلب التكامل بين مهارات التفكير الناقد ومهارات التواصل، مما يفضي إلى تشكيل منظومة معرفية لصناعة إنسان قادر على الفهم والتفاعل والتأثير، فهما يشكلان معًا نواة الوعي الإنساني، وركيزة البناء الحضاري، وسبيلًا للارتقاء في زمن تتداخل فيه الحقائق وتتشابك فيه القيم، ومن هنا فإن الاستثمار في تنمية هذه المهارات هو استثمار في الإنسان ذاته، وفي مستقبل أكثر وعيًا وإنسانية.