إمكانية الوصف على طريقة العرب في ما استجد من معاني العصر

حظي الشعر عند العرب بعناية بالغة وخصوصية له تسامت في أنفسهم ولمّا لمسوا من انتشار شعاعه ولصوقه في الأذهان وسيره مع الركبان وليطه في حبات القلوب اودعوه علومهم وأخلاقهم وآدابهم ، فبدأ كما هو حال البدء فما زالوا به يثقّفون زيغ كعوبه وما غمز من متونه حتى أضحى مؤطرا بأسس وقواعد سرت في نحائزهم واستحكمت بها سلائقهم لايندّون عنها مهما اختلفت أغراضهم وتشعبت مراميهم فجاء بعدُ لسانا ناطقا بحالهم وواقعهم .
والناظر في زماننا يجد اختلافا في ما تعاطوا من أجله الشعر فلم تعد المعاني المعبرة عن أغراضهم في زمانهم كالتي في حاضرنا ، بل نجمت ثمّت معاني مبتدعة في سماء العصر يحسن الترفق والتجاوز والمقابلة بها في استعمالها حذر الخروج عن وجه العربية الأصيل ، فتحتم على المعالج للشعر التوخي لهذه المعاني في شعره وإحسان التأتي لها وإضفاء معارض العربية عليها آخذا بزمامها متحرٍ لسننها وما استتامّ عليه القوم ، وأما من قصّر وتهيّب اقتحام مضايق القول مخافة الزلل واستوقف في شعره عند أغراضهم يبدي فيها ويعيد حدثت له في زمانه غربة منكرة وحجبٌ تحول بين شعره ومتلقيْ زمانه ، لتأخره عما لو لم يهمله لكان لسان عصرهم وناطقا بحالهم ، ولقد انبرى آخرون يعالجون هذه المعاني في شعرهم فسُرّ بهم الشعر واطمأنت لهم نواحيه لحفاظهم على ما وجدوا عليه آباءهم في إصابة أغراضهم ، ومني إليك مثال يعين على التصور لما نحن بصدده لباب من أبواب الشعر ولاسبيل إلى ذكر جميع ذلك لطوله ومخافة الإملال ببعضه وإنما تراد المُثل ليكفي قليلها من كثير غيرها ، وهو باب الوصف ، محلّيا بعدُ بأبيات لشاعر من معاصري زماننا نحسبه أحسن التناول لأمر من هذه الأمور المستجدة واستولى بها على الأمد في مضمار الشعر ، وقبل ذلك سأورد بيتا – يكون مِهادا – وصف فيه العربي مركبا من مراكبهم وإن لم يكن على المعنى الحقيقي للركوب إلا أنه من أوجه الدلالة على تصرّفهم في الوصف ألا وهي النعل ، قال تأبط شرا :

بشرثةٍ خلقٍ يوقى البنان بها
شددت فيها سريحا بعد إطراق

وصفها بالبلى والقدم وأنها ممزقة ذات سريح قد جُعل مثلها تحتها لتشتد وتقيه مما يضرّه من حجارة وغيره ، فالعرب دأبوا في باب الوصف فوصفوا كلّ ما يرونه ويستعملونه من آلات وأدوات ومرافق ومنافع واستنطقوا ما لاسبيل له على الإبانة ، فلو كانت – على سبيل المثال لا الحصر – السيارة ذات الأربع مما ينتفع بها في زمانهم لما جاوزوها الوصف ولدققّوا فيها واستنطقوها وخلعوا عليها روحا من أرواحهم كما فعل المثقب العبدي في ناقته التي ارتحل عليها قال :

إذا ما قمت أرحلها بليل
تأوّه آهةَ الرجل الحزين
تقول إذا درأتُ لها وضيني
أهذا دينه أبدا وديني
أكلُّ الدهرِ حلّ وارتحال
أما يبقي عليّ وما يقيني

أتُرى من وصف النعل بصادّ وصفِه لو كانت السيارة بين ظهرانيه بل لوجدتهم يسارعون في نعتها لتعاجيب صنعتها بله سرعة إبلاغها إياهم لوجهتهم بمركب وطيء ، ولما كانت هي دابّة زماننا وعليها اعتمادنا في الانتقال حسن تناولها في وصف الرحلة أو مفارقة موضع الهم وغيره وما من شأنه اعتمال الدابة عندهم مقابلة ومقاربة ، قال الشاعر “سالم التميمي أبياتا يصف فيها السيارة عرضا من قصيدته ” عيد لمهرة لايبقي ولايدع ” :

وقد تَفُلُّ حديد الهمّ صيلَمَةٌ
من الحديد لها في سيرها هَمَعُ

تشفي الكظيم ؛ من اليابان مصنعُها
في عينها دون عين القوم مُتَّسَعُ

على الفرنجة تيّاهٌ مُعصَّبُهم
بها وكانوا هُمُ منْ أنفَهُ جدعوا

دأبَ النهار بعين التقن في رَحِمٍ
فولاذ أبوابه ؛ العَصْرَيْنَ مُمْتَنِعُ

من حولها أذرعٌ تترى بأروقةٍ
لها سلاسل فيما بينها بَتَعُ

مقصورةٌ في صياصيها تطوف على
ألواحها صَنَعٌ في إثرهم صَنَعُ

حتى تمخَّض عن بِلَّوْر هيكلها
من مارج النار إلحامٌ و مُطَّبَعُ

فأبرزت كشعاع الشمس أبصره
من بعد دهر عماءٍ ناظرٌ جَذَعُ !

ألظت الربحَ منذ استيق مركبُها
كشرخ أقودَ من ديراب يطّلِعُ

لها من الخُزْر تجرٌ يبصرون بها
أرجا الذي يأمل التجارُ إن رجعوا

معاقري الراح لا يخشون من ثَمَلٍ
حتف البحار ولا يدرون ما الجُمَعُ

ثابوا لأوطانهم من بعد صفقتهم
مشتومةً لا يغني فوقها الضرَعُ

تآلفا هي والشعرى إذا اتقدت
حصى الظراب وخالى صيدَهُ السَبُعُ

قُبَّتْ مكعبةً يبدو الغلامُ بها
كأنه في أعالي باذخ يشَعُ

تدعو العيون فإن قاربنها نفرت
زوراءَ يعجز عنها المُوسِرُ المَرِعُ

تفترع الروضة العذراء في كلأٍ
ما إن رعى هُبَعٌ فيه ولا رُبعُ

لكل قدر من الأثفيّ ثالثةٌ
وهذه ستةٌ أثفيُّها السَرِعُ

فمن يحُزْها ويشكو بُعْد ظاعنةٍ
فلا خلاه من الصبيان مُفتلِعُ

بتلك أزدارُ من شطت مراحلُها
وكلَّ شأزٍ عليه أخمصي أضَعُ

وصف الشاعر السيارة والصُنّاع وحال من رغب فيها ويده قاصرة عن ثمنها ثم من قدر عليها وشكى بعدُ شحط النوى فلن يخلو من تقريع الصبيان وفلعهم إياه أي شجّ رأسه إذ لاعذر له وهو يملك مثلها ، ومن جدد على هذه السبيل فلعمري هو التجديد لا تجديد الحداثيين الذين يزعمون أنهم يحسنون صنعا ، حيث أنهم شوّهوا الشعر بحجة عدم ملاءمته العصر وهذه شنشنة نعرفها من أخزم ، بل تجرّعوا ثقافات الأمم الأخرى سما وعسلا التي لا ينسحب حالها ولا موروثها مع الذوق العربي فنتج أناس بسطوا أيديهم وألسنتهم يحدثوننا بعربية لانعرفها سموّها زورا ليلينوا لها القلوب وتصغي الأذان “حداثة ” أما وإن مُحّص الأمر ما هي إلا برزخ بين العربية وغيرها فهي أبدا قلقة لاتأوي إلى ركن شديد ، وبعد فقصارى ما تقدم من صفحة القول وحماداه ألّا يباح للشاعر حين يروم الوصف إلا أن يتحرّى تشبيهات العرب ومأخذها ويسلك في شعره ووصفه طرق كلامها وأساليبها وتراكيب ألفاظها فيصف ماشاء الله له أن يصف من المعاني الطارئة في زماننا مما لم يكن للعرب بهم لها عهده فيجري على مثالها ونظائرها ويدنو من إصابة الغرض ودقة الوصف ، إذ لاتعارض بين ما استجد من المعاني واللغة ، فاللغة لمن أحسن استعمالها مستوعبة للمعاني المبتدعة فالتي جُعلت وعاء لكلام الباري سبحانه هي لما دونه أوعب ، فهذه السبيل هي الأنجع في خدمة هذا الفن واللحاق بركب التجديد في غير ضراء مضرة به ولا إزراء مزرٍ بأهله.

Loading

الكاتب: صالح مبارك الدوسري